السيد حيدر الآملي
202
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
أو ينبوع ، وأمّا في تشبيه الفيض بالماء فلأنّه لمّا لم يكن بحيث يتوقّف إلَّا على تمام القابل فحيث وجد سأل بطبعه إليه كذلك ، كذلك الفيض الإلهي لا يتوقّف صدوره عن واهبة إلَّا على تمام القابل لكون الفاعل تامّ الفاعليّة في ذاته ، ولأنّ الماء لمّا كان به قوام كلّ حيّ جسمانيّ في عالم الكون ، كذلك الفيض الإلهيّ هو مبدأ قوام كلّ موجود قالوا : ومثل هذا التشبيه جاء في القرآن الكريم ، قال جمهور المفسّرين ومنهم ابن عبّاس رضي اللَّه عنه في قوله تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [ سورة الرّعد : 17 ] . إنّ المراد بالماء هو العلم ، وبالأودية قلوب العباد ، وبإنزاله إفاضته على القلوب ، وبقوله : فسالت أودية بقدرها : أن كلّ قلب منها يصل إليه مقدار ما يستحقّه ويقبله . قالوا : وذلك أنّ اللَّه سبحانه أنزل من سماء الكبرياء والجلالة والإحسان ماء بيان القرآن وعلومه على قلوب العباد ، لأنّ القلوب يستقرّ فيها أنوار علوم القرآن كما أنّ الأودية تستقرّ فيها المياه النازلة من السّماء ، وكما أنّ كلّ وادي فانّما يحصل فيه من مياه الأمطار ما يليق بسعته وضيقه ، فكذلك هاهنا كلّ قلب إنّما يحصل فيه من أنوار علم القرآن ما يليق بذلك القلب من طهارته وخبثه وقوّة فهمه وبصره وتمام التشبيه في الآية مذكور في التفاسير . وأمّا تشبيه الأمر الأول بالرّيح العاصفة فلأنّ وقوعه لمّا كان دفعة غير منسوب إلى زمان يتوقّف عليه كان أنسب ما يشبه به من الأجسام في السّرعة والنفوذ وهو الرّيح العاصف لكونها أسرع الأجسام حركة ، ولذلك أكّدها بوصف العصف تقريرا للسرعة التّامة . ( وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) [ سورة القمر : 50 ] . وبوصف الزعزعة والقصب تحقيقا للقوّة الغالبة والشدّة الشديدة ، وأمّا أمره لها ( بردّه ) وتسليطها على شدّة فلأنّه لمّا صوّرها بصورة الريح شاع أن يقال : أنّه أمرها وهو عبارة عن نسبة ذلك الأمر إلى ذاته تعالى النّسبة الَّتي تحدثها عقولنا الضعيفة ، وفائدة الرّد والشدّ هاهنا هو ضبط أمره سبحانه على وفق حكمته الكمالات الفائضة عنه على كلّ مورد مورد بحسب نوعه المستلزم لردّه عمّن ليس له ذلك الكمال المعيّن ،